الثلاثاء , يونيو 19 2018
الرئيسية / ادب / من بلاغة الرسول – صلى الله عليه وسلم – .

من بلاغة الرسول – صلى الله عليه وسلم – .

روي البخاري قال: “حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا الجريري، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه – رضي الله عنه- قال: قال النبي e: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا. قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئا، فقال: ألا وقول الزور، قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت”. ([1])

في هذا الحديث الشريف يحذر الرسول e من أمور خطيرة مهلكة؛ ولهذا فقد بدأ e بأسلوب من أساليب التشويق، وهو أداة التنبيه (ألا)، والتي تدل على أهمية وخطورة ما يلقى بعدها، كما أنه يؤتى بها تنبيها للمخاطب من غفلته، وإيقاظا لمشاعره؛ لكي يصغى إلى ما يأتي بعدها من أمور مهمة، ويشتد حرصه على اجتنابها.

وزاد من خطورة الأمر وأهميته تكرار جملة العرض والتنبيه: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟) ثلاثا.. والغرض من هذا التكرار، هو التأكيد على أهمية هذا النبأ وخطورته، مما يزيد من شوق المخاطب لما يقال، واهتمامه به، وحرصه عليه.. “وإنما كرره تأكيدا؛ ليتنبه السامع على إحضار فهمه، وكانت عادته eإعادة حديثه ثلاثا؛ ليفهم عنه”([2]) وهذا – لعمرى- نهج تعليمي تربوي سديد تفرد به e، وأضفى على المكرر ما أكد حرمته في نفوس السامعين.
وتأمل قوله: (أكبر الكبائر) إنه شيء مخيف، وجرم عظيم تأباه النفوس المؤمنة، والقلوب التي تخشى الله سبحانه. ([3])

وبعد أن تهيأ الصحابة – رضوان الله عليهم- وتطلعت نفوسهم لمعرفة أكبر الكبائر حتى يجتنبوها، اندفعوا في شوق ولهفة قائلين: (بلى: يا رسول الله) وعندئذ جاء الجواب: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئا فقال: ألا وقول الزور).

ويلاحظ أن هذه الكبائر الثلاث عطفت بالواو، وأن الكبيرة الأخيرة (ألا وقول الزور) تميزت عن سابقتيها بعدة خصائص:-
الأولى: فعلية عملية تمثلت في جلوس النبي e وكان متكئا، وهذه الخصوصية تشير إلى مدى ما وصل إليه اهتمام النبي حين وصل إلى ذكر هذه الكبيرة، فتصوره لنا متغير اللون، جاهر الصوت، منذرا ومهددا بأن شيئا خطيرا سيقال.
والثانية: لفظية تمثلت في الفصل بين المتعاطفين بأداة التنبيه (ألا) تأكيدا على تحريم قول الزور، وتعظيم حرمته.

والثالثة: تكرار تلك العبارة: (ألا وقول الزور) مرات عديدة لم يحصرها الصحابي. وهذا التكرار فيه زيادة تأكيد على حرمة تلك الكبيرة، وشدة خطرها، وعظم قبحها، لاسيما وأن تكرار هذه العبارة استمر من الرسول e حتى تمنى الصحابة أن يسكت إشفاقا عليه من انفعاله، وخوفا من غضبه (فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت).

إن ما تميزت به كبيرة قول الزور من انتقال مفاجئ من حال الاتكاء إلى حال الجلوس لا ترويحا من الوضع الأول؛ بل تهديدا وإنذارا، واستعمال أداة التنبيه (ألا)، وتكرار العبارة مما شغل الصحابة عن حصرها؛ خوفا وإشفاقا؛ لتأكيد بالغ وتقرير عجيب يجعل قول الزور فوق الشرك بالله وعقوق الوالدين؛ لما يترتب عليه من المفاسد. ([4])
يقول ابن حجر: “ولكون قول الزور، أو شهادة الزور أسهل وقوعا من الناس، والتهاون بها أكثر، فإن الإشراك بالله ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه الطبع؛ أما الزور فالحوامل
عليه كثيرة كالعداوة والحقد، والحسد، وغير ذلك، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها من الإشراك قطعا؛ بل لكون مفسدة الزور متعدية إلى غير الشاهد، بخلاف الشرك، فإن مفسدته قاصرة – غالبا-” ([5])

فمع أن شهادة الزور ليست بأكبر جرما، ولا بأعظم إثما من الإشراك بالله؛ إلا أن النبي eحرص على أن يكون نهيه وتحذيره عنها مؤكدا حاسما، فابتدأ العبارة بـ (ألا) التي هي للتنبيه، وغير من وضع جسمه الشريف، وكرر وأطال التكرار حتى أشفق عليه أصحابه مما رأوا على وجهه الشريف، وفي نبرات صوته ما عسى أن يزعجه فتمنوا أن يسكت . والسر في هذا الاهتمام هو الخوف من أن يستهين الناس بهذا الجرم مع توفر دواعيهم إليه من الحقد والحسد والعداوة والعصبية، والرغبة الخبيثة في الإيقاع بالأبرياء، أو في إضاعة الحقوق في حين أن قلب المسلم ينفر من الشرك، كما أن طبعه ينأى به عن الإساءة لوالديه …. أما قائل الزور، أو شاهد الزور، فلا عقوبة دنيوية يخشاها، ولا مضرة مادية يتوجس منها، فلم يكن بد من المبالغة في تحذيره وإنذاره، ولعل من أسباب التغليظ في النهي عن قول الزور أن الإنسان المبتلى به قلما يقلع عنه؛ فإنه داء خبيث إذا تمكن من نفس علق بها علوق الداء المزمن الذي لا يرجى منه برء. ([6])

أرأيت كيف استطاع الرسول e في بلاغة لا تجاريها بلاغة، أن يوظف التكرار في مقامه توظيفا يكشف عن خطورة قول الزور وعظيم جرمه؟! وكيف استطاع أن يجمع قلوب الصحابة ويشوقهم لما يلقى عليهم عندما كرر جملة العرض والتنبيه: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟) وعندئذ يحذر منها الصحابة، ويشتد حرصهم على اجتنابها، والعمل بما يوافق كتاب الله وسنة رسوله e.. والذي يروعك أن كل هذا جاء في نظم بديع هو من النظم الذي يقول فيه الإمام عبد القاهر الجرجاني: “ومنه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة، ويأتيك منه ما يملأ العين ضربة حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من الفضل، وموضعه من الحذق، وتشهد له بفضل المنة، وطول الباع”. ([7])

عن shams

اترك تعليقاً